فخر الدين الرازي

208

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فإذن العلم بأن شيئاً صيره حسناً علم ضروري والعلم بكونه متعجباً منه غير ضروري ، فاذن لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً . الحجة السادسة : أنهم قالوا : المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا هاهنا أشد الأشياء تنكيراً مبتدأ ؟ وقالوا : لا يجوز أن يقال : رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلًا كاتباً فلا يكون هذا الكلام مفيداً : وكذا كل أحد يعلم أن شيئاً ما هو الذي حسن زيداً فأي فائدة في هذا الإخبار ؟ الحجة السابعة : دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك : ما أحسن زيداً ، فإن قيل : جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة ، فصار مشابهاً للاسم فأخذ خاصية وهو التصغير قلنا : لا شك أن للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان : إما أن يكونا متنافيتين ، أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما هاهنا علمنا أن هذا ليس بفعل ، وإن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم . الحجة الثامنة : تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب : ما أقوم زيداً بتصحيح الواو كما تقول : زيد أقوم من عمرو ، ولو كانت فعلا لكانت واوه ألفاً لفتحة ما قبلها ، ألا تراهم يقولون : أقام يقيم فإن قيل : هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم ، وتمام التقرير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة الاسمية ، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف ، وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح والامتناع من الإعلال قلنا : لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة ، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل . الحجة التاسعة : أن قولك : أحسن لو كان فعلًا ، وقولك : زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما / بالظرف ، فيقال : ما أحسن عندك زيداً ، وما أجمل اليوم عبد اللّه ، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز ، فبطل ما ذهبتم إليه . الحجة العاشرة : أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً ، ثلاثياً كان أو رباعياً ، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول ، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا ، ما أحسن زيداً فعل بوجوه أولها : بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه وثانيها : أن أحسن مفتوح الآخر ، ولو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ وثالثها : الدليل على كونه فعلًا اتصال الضمير المنصوب به ، وهو قولك : ما أحسنه . والجواب عن الأول : أن أحسن كما أنه قد يكون فعلًا ، فهو أيضاً قد يكون اسماً ، حين ما يكون كلمة تفضيل ، وأيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلًا وأنتم ما طلبتمونا إلا بالدلالة . والجواب عن الثاني : أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة . والجواب عن الثالث : أنه منتقض بقولك : لعلي وليتني ، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الاسمية